| تغذية مجتمعية أم تغذية فردية
تغذية الفرد أم المجتمع؟؟؟.........
بقلم ليلاس طعمه
قبل أن نتكلم عن تغذية المجتمع, ينبغي أولاً أن نعرف ما معنى كلمة "مجتمع"و المجتمع يعني مجموعة من الأفراد يجمعهم المكان (بما فيهم المكان الافتراضي), العادات أو الاهتمامات المشتركة, القيم الخاصة بهم ,اللغة و إطار اجتماعي خاص يتفاعلون ضمنه. أمثلة كثيرة تأتي الى الذهن منها مثلاُ المجتمع الطلابي, المجتمع الريفي, المجتمع النسائي. و يمكننا أن ننظر الى المجتمع من عدة مستويات, العالمي, الإقليمي, و المحلي. كيف يمكننا أن نهتم بتغذية هذه المجتمعات؟
إن أساس مفهوم "الصحة العامة" هو الجُهد المُنظَّم لحِماية الصحة و الحفاظ عليها و دعم الأفعال التي تعزز الصحة، في مجتمع ما أَو المجتمعات؛ و هذه الجهد يكون مبني على الأسس العلمية،و يتطلب مهارات عملية خاصة.
أي فعل أو عمل يسعى الى تحسين و تطوير الحالة الصحية و التغذوية لدى الأفراد في المجتمع يدخل ضمن التغذية المجتمعية. يُطور أخصائيو التغذية السياسات المحلية و البرامج التغذوية الوطنية التى تساهم في تحسين و تعزيز الصحة و التغذية السليمة عند الأفراد و فئات المجتمع المختلفة من أجل تنمية المجتمع ككل. أن المحاور الثلاثة الأساسية للتغذية المجتمعية هي : الأفراد, السياسة المحلية التغذوية, و البرامج الوطنية. الأفراد: هم الذين يَستفيدُون من البرامجِ والخدمات الصحية المجتمعية لتَحسين صحتِهم وتغذيتِهم؛ من خلال توصيل الغذاءِ الأمن و الصحي أَو تعلّمْ المهاراتَ التى تُحسّنَ و تُطور أنماط الحياة و الصحة التغذوية. السياسة الوطنية: هي المكوّن الرئيسي في ممارسةِ التغذيةِ المجتمعية. هي خطة العملُ التي تختارها الإدارات العامّةِ لمُعَالَجَة المشكلة الصحية أو التغذوية الموجودة في المجتمعات من خلال: التشريعات, القوانين، التعليمات التنفيذية. البرامج: هي الآلاتَ و القنوات التي يستعملها خبراء التغذية و الكادر الصحي لتَحسين الحالة التغذويةَ والصحيةَ. هي تفعيل القوانين و التشريعات و ترجمتها الى أفعال على الأرض يكون هدفها تحسين الصحة العامة و تعزيزها. لا يمكن تنفيذ البرامج على أرض الواقع إلا بعد سن القوانين و التشريعات اللازمة لدعم و حماية هذه البرامج. و التي يمكن أن تشمل أو تخُص السكان على المستوى العالمي, الاقليمي, و المحلي. و النتيجة المطلوبة الأساسية الحقيقة من هذه البرامج هي: تغيير السلوكِ بما يساهم في رفع مستوى الصحة و الحالة التغذوية عند الفرد و المجتمع, و تعليم المهارات اللازمة لتغيير السلوك والعادات الغذائية المضرة و إمكانية تبني نمط حياة صحي و سليم. فيكون هناك برامج لزيادة الوعي عند المجتمع بالنسبة للغذاء السليم أو العادات الواجب تبنيها. أو برامج لتغيير السلوك من الناحية العملية, كتخفيف تناول الملح و الدهون في الغذاء لحماية القلب و الصحة, أو برامج تُصمم من أجل المحافظة على السلوك الصحي الذي تم تبنيه في المجتمع. هناك تحول ملحوظ في مؤشرات الصحة و أسباب الوفيات, ففي القرن التاسع عشر كانت أسباب الوفيات في المقام الأول للأمراض المعدية الفتاكة,بينما في هذا القرن نجد أن أسباب الوفيات الأولى و الرئيسية هي الأمراض المزمنة مثل السرطان, السكري من النمط الثاني و أمراض القلب. و جميعها مرتبط بالغذاء و أساليب الحياة و يمكن الى حد كبير الوقاية و الحد منها. يجب الإعتِراف بالحاجات المطلوبة و المتغيرة للمجتمع و التأكيدِ المتزايدِ على اتخاذ الإجراءاتِ الصحيةِ الوقائيةِ لحِماية وتَرويج للصحة العامةِ و التى جزء لا يجزأ منها تغذية المجتمع.
حقيقة لا يمكن الوصول الى تغذية فردية ناجحة و ناجعة الا اذا كان هناك نظام يُُبنى على أسس منهجية و شاملة. التغذية المجتمعية ليست فقط معنية بماذا نأكل يومياً. و انما تُعنى بأساليب الغذاء, أنماط الغذاء,الاقتصاد الغذائي و سلامة الغذاء وتمتد الى الأمن الغذائي الدولي و الوطني.
مجال التغذية هو مجال متعدد الوجوه و يبدأ و ينتهي مع المجتمع و الفرد. و يجب أن تكون التغذية جزء من التثقيف الصحي. الصحة تبدأ مع الغذاء المتوازن و المتنوع. لذلك الاهتمام بالتغذية و العوامل التغذوية يجب أن يكون على رأس الأولويات الصحية التى يجب ان نبحث فيها و نحدد أمكنة الخلل أو التعديل و نرسم خطة واقعية عملية و نبدأ في تحسين الصحة. إننا نحتاج لرؤية شاملة تساهم في وضع استراتيجيات و توصيات عملية تقوم عليها برامج تغذوية مستمرة. و جزء هام من مسؤوليات أخصائي التغذية المجتمعية هو مراقبة هذه البرامج و تقييمها و تحسينها بشكل مستمر اذا احتاجت لذلك. يجب أن تكون البرامج التغذوية المجتمعية ملائمة و المشكلات أو الاحتياجات التغذوية للأفراد في المجتمع, أي أن تكون برامج مدروسة خصيصاً لهذا المجتمع بكل شرائحه. نحن بحاجة الى الكثير من الحملات التسويقية الصحية, حيث يكون المنتج الرئيسي للتسويق هو الأفكار الصحية و السلوكيات التى ترفع من المستوى الصحي عند الفرد و المجتمع. و هناك العديد من الأمثلة الجيدة في سوريا مثل حملات التوعية التى تمت هنا عن السكري الشبابي, عن التلاسيميا, و عن النشاط الحركي و الخ.
تعتبر الوقاية من أهم أهداف التغذية المجتمعية, وجود أنظمة مراقبة و ترصد, أدوات تقييم و فحص, و مسح سريع للمشكلات التغذوية يعد أساس للتغذية المجتمعية. تساعدنا المعلومات من هذه الأدوات على فهم عمق المشكلات التغذوية ومدى انتشارها ,أسبابها, و تداعياتها على الصحة العامة وترشدنا الى الاتجاه الواجب اتخاذه لحل هذه المشكلات و من ثم يتم إنشاء برامج تغذوية مناسبة لحل المشكلة التغذوية أو الوقاية أو الحد من انتشارها. فعلى سبيل المثال, الدراسات و الإحصائيات الحديثة تشير الى ازدياد البدانة عند الأطفال و المراهقين زيادة مطردة عالمياً و محلياً. و تعد ظاهرة البدانة مشكلة مجتمعية حقيقية لأننا نراها في كل شرائح المجتمع الدولي و المحلي. و هناك مشكلات تغذوية أخري منها فقر الدم بعوز الحديد عند النساء و الأطفال, نقص اليود و أمراض الدرق, و عوز فيتامين "د" عند الأطفال و اليافعين و تطول القائمة. إن أدوات المسح و تقصي المشكلات التغذوية أظهرت أن من أهم مسببات البدانة هي قلة الحركة الفيزيائية لدى الأطفال, والوجبات الجاهزة و الأطعمة التى تُقدم للطلاب خلال اليوم الدراسي إضافة الى المياه الغازية, الحلويات و رقائق البطاطا المقلية. يقضي الطفل أو المراهق وسطياً حوالى 60% من وقته في المدرسة يومياً و يتناول حوالي 65% من مدخوله الغذائي خلال المدرسة. إضافة الى ضغط الحصص الرياضة أو حذفها بالكامل من جدول الحصص للطلاب. لذلك كهدف من أهداف تغذية المجتمع ,بعد القيام بتقييم عميق للمشكلة الصحية, هو وضع معايير وطنية مدروسة لبرامج الوجبات في المدارس بأنواعها و إلزام المدارس على تطبيقها مما يضمن وجبات صحية تتماشي مع احتياجات الطلاب التغذوية دون زيادة نسبة السكريات أو الدسم. من خلال هذه البرامج يمكننا تغيير سلوك الطلاب و نمط غذائهم مما سينعكس على حالتهم الصحية و التغذوية و سيؤدي إلى بناء مجتمع صحي ,منتج, و نشيط.